أمنية محققة.. الرحلة مستمر رغم كل شيء

تاريخ التحديث: ٢٣ يناير


"خنقني الروتين، لم أعد أقوى على الاحتمال، سأبتعد عنكم، وأرتحل، بأمتعة أو من دون لايهم، فقط أذكروني يوما إن وجدتم اسمي يتصدر صفحات الجرائد يكتبون(حلمت بالقمة حتى وصلت إليها)".

ودعتهم أمنية في المطار، و أعينهم عليها، تغيب وسط المسافرين ذوي الحقائب الكبيرة، أما هي فلم تكن تحمل سوى حقيبة واحدة مكتوب عليها (قابل للكسر) تحمل خوفها وترددها من المجهول و مشاعر كثيرة متضاربة، وعدتهم بأن تعود في محدد، لكنها لم تعدهم بأن تعود كما كانت معهم منذ خمس دقائق مضت!

اصطفت أمنية وسط مجموعة المغادرين أمام شباك الجوازات، وسلمت بطاقة السفر للضابط المختص، وضع ختمه ببساطة عليه، يا إلهي! هل الأمر كذلك في غاية السهولة، لا بأس إن كان صعبا قليلا فلا تراجع!


"حضرات السادة المسافرين على طائرة رقم ... المتجهة إلى أوربا سرعة الصعود" نبهها صوت الدليل مناديا من بعيد، ركضت أمنية لتلحق بالمجموعة.. وأحلامها، نظرت خلفها فوجدت أنها نسيت الخوف على مقعد الانتظار و بجانبه زجاجة الماء، فابتسمت ولم تعد إليهم.

ركبت أمنية الطائرة ودق قلبها كالطبول، وارتفعت أنفاسها مع صعود الطائرة للأعلى، " إنها تحلق عاليا.. مثلي، ستقف قريبا في المطار أما أنا فلن أتوقف أبدا عن التحليق"!.



وجدت أمنية غايتها في الرحلة، تلك الرحلة اللا منتهية و لا متناهية حول أرض الله الواسعة على الرغم من النقد والاستخفاف الصادر من المحبطين، إلا أنها استمرت في طريقها و مازالت تحلم بالمزيد!

سبع سنوات قضتها أمنية في السفر من مدينة لأخرى، ومن قارة للثانية اتخذت الأرض فراشا لها و تلحفت بالسماء المزدانة بالنجوم.

كانت نجمة لامعة لكل من قابلها و عرفها ولو لثواني سألته فيها عن مكان ما تود الذهاب إليه و تاهت عنه، أو قابلته صدفة، كما السيدة المكسيكية التي قابلتها في محطة الباص و أعطت أمنية قرطها المتواضع لتتذكرها دائما.

أمنية فريد ذات 28 ربيعا فتاة الرحلة التي لونت حياتها بألوان أعلام البلاد التي زارتها، فأحبت السفر وكرهت الرحيل، انتقلت بجسدها من بلد إلى بلد ونفسها من شعور إلى شعور، تلك التي عافرت منذ أن كانت في الجامعة حتى تستقل ماديا واشتغلت في الكتابة الحرة و تقاضت منها أجرا زهيدا، لكن لايهم" فما تكتسبه نفسي أقيم بكثير".

استمرت في المعافرة حتى إذا استقرت ووجدت وظيفة في مصرف، ولكن خنقتها الحياة الرتيبة فهربت إلى الحرية، وطارت عاليا كفراشة حرة تبحث عن النور في كل سماء بلا ملل.

وبينما هي تحلق وجدت نفسها في البيرو في صيف عام 2018، في بلد حباها الله من الجمال والطبيعة الخلابة، ففكرت أمنية كثيرا، فإن كانت هذه البلاد غمرتني بطبيعتها و جمالها وإن كان أهلها على الرغم من ظهور ملامح ضيق الحال عليهم- قد اخجلوني بتواضعهم و ترحيبهم فلما لا أرد ذلك لهم!

و قد كان لها ذلك، فقامت بالتطوع لمدة أسبوع لتعليم أطفالها اللغة الانجليزية(مقابل الطعام و المسكن)، وقد أضافت لها هذه التجربة كثيرا، وتمنت أن يتذكرها أولئك الصغار يوما ما بعد رحيلها عن بلادهم، بأنها كانت سببا ولو بسيطا بتعليمهم ما ينفعهم.

خاصة، وأن سكان البيرو لا يتحدثون الانجليزية ولسكان الريف لهجتهم الخاصة فقد يكون ما فعلته معهم أمنية بذرة لتعلمهم اللغة الانجليزية، التي ستفيدهم بالتأكيد مع السائحين والزوار.

ورغم أن هؤلاء الأطفال أحبوا أمنية لأنها ساعدتهم في المعرفة، هناك من أحبها بدون جهد منها، فقط لأنها سكنت معهم في منزلهم المتواضع في كوبا، وفي أحد الليالي اشتدت على أمنية الحمى فخرجت فجرا تبحث عن طبيب يداويها، لحقها صاحب المنزل و ابنته و لم يتركوها في رحلة البحث طبيب، و عندما استعادت عافيتها أقامت الأسرة البسيطة احتفالا حضرته العائلة كلها فرحا بشفاء أمنية.


هذه المواقف الانسانية لا تقدر بثمن ولا تشترى بالمال، و هي تجارب أثقلت شخصيتها واكسبتها قوة و شجاعة، "تقول أمينة"، منذ أن بدأت في سن 21 فهي تتذكرها دوما وتكتبها مع باقية تجاربها وخبرتها على مدونتها الشخصية الخاصة بالسفر، أو تحكيها لكل من طلب مشورتها في تجهيز رحلة له.

منذ أن حملت بطاقة سفرها في اليوم الأول و هي تعلم أن الرحلة لا تنتهي و إن انتهت بلاد العالم التي زارتها، فما زال أمام عينيها كنز، وهي بلدها مصر الجميلة، و التي ستعيد اكتشافها و التنقيب عن مفاتنها من جديد وتوثيق كنوزها في مقاطع فيديو ستقوم بتسجيلها، وذلك حلم من أحلامها التي اتخذت بالفعل خطواته الآن!

هذه هي حكاية أمنية فريد، الفتاة المصرية التي وثقت في إحساسها و تبعته، أغمضت عينيها عن نقد المجتمع لفتاة صغيرة تجوب العالم وحدها، وأكملت الرحلة، لم يكن الهدف يوما من سفرها هو زيارة المعالم أو التقاط الصور بل دفعت الكثير من الصعوبات و العوائق و امتنعت عن الكثير من متع الفتيات في مثل سنها، فلم تلتفت للتسوق أو الجلوس خلف المكاتب في وظيفة ثابتة بالساعات، بل حسبت قيمة الساعة وقدرت الوقت والمال، فقدرتها الحياة و أعطتها نصيبها من اسمها –أمنية- !