قصص أمهات حاضنات .. من التوقعات لأرض الواقع

تاريخ التحديث: ٣ سبتمبر



"أحبُّ الأطفال، لكنني امرأة غير مُنجبة، لدي مشاكل طبية تمنعني من الإنجاب".


بهذه الكلمات بدأت الأستاذة زينة بدر بن عيسى حوارها مع منصة بلقيس، وهي أم مُحتضِنة، ومُؤسسة مبادرة جذور(مبادرة أمهات حاضنات) في دولة الكويت، ومستشارة دعم نفسي للأسر الحاضنة.


احتضنت زينة طفلتها نور وهي في عمر الثلاث سنوات، ثم احتضنت عبد الوهاب، وتذكر لنا السبب في احتضانها طفلين فتقول: "الدراسات تشير إلى أنه يفضل أن يكون الطفل المُحتضَن معه طفل مُحتضَن آخر، ليكونوا معًا في نفس القارب ونفس الظروف، سندًا لبعضهما البعض، إن وقع أي مكروه للأسرة الحاضنة لهما".


بداية خيط المعرفة


"عندما احتضنتُ نور، لم أكن أعرف أشياءً كثيرة، في الاحتضان لا توجد قواعد ولا شيء يمكن الجزم به، احتضنتِ إذًا واجهي ما يقابلكِ!"، كانت زينة ولازالت تستغرب تصرفات المجتمع تجاه المُحتضَنين، حتى تكونت عندها قناعة لا تحيد عنها حول تقبل المجتمع لها ولأبنائها، فمن أرادها هي وأبنائها فمرحبًا به، ومن لم يتقبلهم معًا، فلا بكاء عليه!


اتجهت زينة إلى إنشاء مبادرة اسمتها "أمهات حاضنات" عام 2009، لدعم الأمهات المُحتضِنات ونشر ثقافة جديدة للاحتضان، لكن "حينما شعرتُ أن هناك معلومات كثيرة نجهلها عن أولادنا، مثل تاريخهم الطبي وأمراضهم الوراثية، ولا نجد من يخبرنا بها، قررت إنشاء هذه المبادرة حتى نكون قوة متحدة معًا من الأمهات المُحتضِنات، اللاتي يطالبن بهذا الحق لأولادهن، لمشاركة هذه المعلومات".


وتضيف "زاد ذلك عندما بلغ أولادي سن المراهقة، واكتشفت أن أولادنا هم الأهم وليس نحن الأمهات، فهم يريدون معرفة أصولهم وجذورهم، فالعائلة البيولوجية مهمة في تكوين الهوية عند هؤلاء المُحتضَنين، ومن هنا اختارت الأمهات الحاضنات معي مسمى "جذور" لتكون اسمًا لهذه المبادرة في 2019؛ فالمُحتضن لابد أن ينشأ في عائلة صلبة وجذور صحية، حتى يمكنه الخروج للدنيا".


تهدف مبادرة جذور إلى دعم ثلاثي الاحتضان، وهم المُحتضِن أي الأسرة الحاضنة، والمُحتضَن، والأم البيولوجية ـ وهي شغلها الشاغل - "يتم معرفة العائلة البيولوجية من خلال تحليل DNA الذي يتم عمله للطفل منذ الولادة، ونتمنى أن تُشارك مع الأسرة المُحتضِنة هذه المعلومات، فمن خلالها سنبحث عن العائلة البيولوجية للمُحتضَن، التي وإن لم تقبله، إلا أنه سيشعر بارتياح وبأن له وجود، وسيساعدهُ هذا على تقبل ذاته والاندماج في المجتمع، وتخطي النظرة السلبية لنفسه".



قصة جديدة ومبادرة جديدة


تقول لنا الشابة رغدة عطّار: "أصبحت أمًّا بين يوم وليلة، شعرتُ بالحيرة، وبحثت عن أي دعم للأسر الحاضنة، حتى وجدت مجموعة "أمهات حاضنات" وصاحبتها الأستاذة زينة بدر، التي كانت أكبر داعم لي، وفكرت لماذا لا يكون لدينا في السعودية منصة تنقل صوتنا؟، ففكرت في إنشاء مبادرة سميتها "من أجلهم"، من أجل أطفالنا المحتضَنين".


تهدف المبادرة إلى توفير بيئة داعمة للأسر المُحتضِنة أيضًا، من مرحلة ما قبل الاحتضان إلى ما بعد ذلك بلا حدود، وانضمت رغدة فيما بعد إلى جمعية البداية للرضاعة الطبيعية لتكون هذه المبادرة رسمية.


وبالعودة للوراء مع رغدة، حكت لنا قصتها مع الاحتضان فقالت: "حاولتُ الإنجاب لفترة من الزمن بعد الزواج بشتى الطرق داخل وخارج المملكة، لكن الله لم يأذن لي"، وكانت فكرة تربية يتيم تراودها من وقتٍ لآخر، لكن لم تتعمق فيها أبدًا.


ويومًا ما، لفت انتباهها صفحة على أحد مواقع التواصل، عن سيدة كويتية تدعى صفاء الفيلكاوي، تشارك قصتها مع الاحتضان وتشجع عليه، فتأثرت رغدة بتلك التجربة، لكنها كانت تجد صعوبة في التحدث لأحد عن هذا الأمر.


كانت رغدة عطّار تدرس مع زوجها في أمريكا، وفي إحدى العطلات قررت أن تخبر زوجها بما تفكر فيه وتناقشه؛ فبدأت تشرح له عن الاحتضان وتربية طفل يتيم، وبعد تردد واستغراب من زوجها، قال لها سنذهب للجمعية غدًا لنتعرف على ما هو مطلوب.


"أيقظني زوجي قبل موعد ذهابنا للجمعية متأثرًا، وقال حلمتُ بأنني كنت في السيارة ذاهبًا في طريقي للجمعية، ورأيت بجانبي شخصًا كأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم! بكينا أنا زوجي وقلتُ له، كأنّ هذا ردٌّ من الله لكَ، فقال لي، بإذن الله لن يوقفني شيء عن إتمام هذا الأمر".





لم يكن الأمر سهلًا في البداية، فقد كانت أصعب خطوة على رغدة هي الإجراءات، فبعد سنة كاملة جاءت الموافقة، لكنها أرادت العودة إلى أمريكا لإكمال دراستها، ولأن استخراج الأوراق الثبوتية للطفل سيستغرق وقتًا أيضًا، "لم أتمكن من أخذ دوري لأحصل على طفل!".


واقع الاحتضان في الخليج


ومن تجربتها، تذكر لنا زينة بدر العوائق التي تمر بها العائلات المُحتضِنة؛ فعلى الرغم من دعم الحكومات الخليجية للاحتضان وتسهيل الطرق إليه، إلا أن هناك "بعض الأمور التي لابد أن يعاد النظر إليها في الاحتضان، فكما ذكرت سابقًا عن قوانين العمل وعدم تطبيقها على الأم المُحتضِنة، كذلك السفر ومشكلة إثبات أن المُحتضَن هو ابن الأسرة التي تحتضنه لاختلاف الاسم، والزواج أيضًا، فنحن لا نستطيع تزويج أبنائنا، ولابد أن يزوّجهم القاضي، فليس لدينا ولاية لتزويجهم".


وتتفق رغدة مع زينة وتضيف: "طول فترة التقديم والموافقة، واستخراج الأوراق الثبوتية للطفل، إضافةً إلى عدم وعي المجتمع بأوضاع الأطفال المحتضنين، والتي منها عدم تسهيل إجراءاتهم في المستشفيات، ولا توجد مصادر كاملة عن الاحتضان في السعودية تساعد الأسرة في معرفة الإجراءات الرسمية وحقوق المحتضن كاملة".


أملٌ يطلُّ من جديد


عادت رغدة إلى أمريكا وغابت لأربع سنوات، واستمرت الحياة، ونسيت موضوع الاحتضان تمامًا.

وعندما رجعت إلى السعودية، شغلتها الفكرة من جديد، فقد أخبروها قبل سفرها أن لها الأحقية في الاحتضان طالما أن لديها موافقة مسبقة على الاحتضان، فبدأت بالبحث عن ورقة المعاملة، لكنها ضاعت وفقدت الأمل في أن تجدها، وأحبطت ثانيةً.


تواصلت رغدة مع إحدى الأخصائيات لتساعدهَا على إيجاد المعاملة، وبعد فترة "اتصلت عليَّ هذه الأخصائية وأنا في عملي مشغولة تقول لي، لدينا طفل! هل تريدينهُ؟"، تلتقط أنفاسها وتكمل: "ذهبت للمستشفى حتى أراه وسط قلق زوجي وإحساسه بالمسؤولية، دخلت الغرفة كل يجلس على كرسي هزاز، اقتربت منه وشممتهُ واحتضنته، بدأ يضحك بصوت مسموع، لقد كان في عمر الشهرين فقط! شعرت بأنه يقول لي خذيني من هنا! ووددت لو آخذ كل الأطفال هناك، وفي خلال أسبوع فقط استلمت مراد".



الاحتضان.. هل هو إشباع أم طمعًا في الثواب؟


تجاوبنا زينة عن هذا السؤال فتقول: "هناك نوعين من الأسر المُحتضِنة، منها من تطلب الثواب في احتضانها، لكنها تسيء المعاملة، ورأيت حالات كثيرة مثل ذلك، والنوع الثاني يكون لإشباع غريزة الأمومة، وعندما يكبر المُحتضَن قد تُساء معاملته أيضًا وقد يُهمل، والأمر الذي لابد أن تعرفه الأسر المُحتضِنة، إن هذا الطفل لن يأتي ليحقق أحلامكم، هو طفل يحتاج عائلة، لديه أحلامه و شخصيته البيولوجية المستقلة".


وتؤكد رغدة: "أقول لكل أم تفكر في الاحتضان، حققي هذه المعادلة؛ فالطفل يريد عائلة، والعائلة تريد طفلًا".