أسماء الزرعوني.. كاتبة صنعت من البحر حبرًا


هي ابنة البحر، من أخذتها الشمس وقت الغروب ورحلت بها عبر البلاد، لتضيء عتمة المكان بالكلمات التي رسمتها على جدران الحي في الشارقة، كان الفحم الأسود يطلي أناملها الصغيرة بلونه الداكن، لكنها تطرب فرحًا إذا وقف أحدهم ليقرأ ما كتبت على الجدران.. كان النخل بالنسبة إليها معجزة، فكيف يتحول من فسيلة إلى نخلة شامخة، فقررت أن تصبح مثل النخلة شامخة، تظلّل الناس بكلماتها التي تصفُ الواقع.


حاورتها بلقيس، فوصفت نفسها بكلمات بسيطة، وهي التي رصيدها حتى الآن ثلاثين إصدارًا، مترجمة إلى ثماني لغات، "أسماء الزرعوني الكاتبة والروائية، سفيرة الثقافة لدولتي الإمارات، في كل مكان".


عاشت أسماء طفولة مختلفة عن أقرانها، فبينما كان الأطفال يلعبون بطين البحر، كانت تحمل أوراقها الصغيرة للكتابة، وتقف حائرة أمام كتب والدها الكبيرة في مكتبته، تحاول قرائتها، وتكتب في أوراقه التي خصصها للعمل، وكانت ابتسامته الحنونة لها، دافعًا أن تكمل باقي السطر.


وفي المرحلة الابتدائية، أحبت صوت معلمة اللغة العربية وهي تقرأ القصائد، كانت تأخذ رأيها دومًا في مشاعرها الصغيرة المكتوبة على الورق، أما الرفاق، فكانوا يلتفون حولها لتكتب لهم مواضيع التعبير والرسائل الرقيقة، وتمنت أسماء وقتها، لو أن الدراسة اقتصرت فقط على حصتي اللغة العربية والتعبير الحر!


طافت أسماء بين الكتب، وقرأت ليوسف السباعي ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، وكلما وقع عينها على رواية جديدة قرأتها، وفي الصف السادس الابتدائي، اكتشفت مجلة "عالم الفن" الكويتية التي تنشر للأقلام الواعدة، فأرسلت لهم ما تكتب من خواطر، ووضعت اسمها واسم جدها فقط، وكانت سعادتها كبيرة حينما رأت ما نُشر لها.


واستمرت أسماء في هذا الطريق، حتى خرجت باسمها الصريح للمجتمع الإماراتي عام 1988، بقصة "عندما يجف النبع"، وتم نشرها في جريدة الإتحاد الإماراتية، وكان حالها مثل باقي بنات جيلها يكتبنّ على استحياء، وفي نهاية عام 1989 أسست الكاتبات والشاعرات تقودهن أسماء، ما يسمى "رابطة الأديبات"، جنبًا إلى جنب مع اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، فكانت هذه الرابطة بصمة في تاريخ الأديبات التي بزغ نجمهنّ بقوة من خلال الرابطة.


نشأت هذه الرابطة بمباركة ودعم الشيخة جواهر الرئيس الفخري للرابطة، فكانت تقول لهن كما حكت لنا أسماء، أن يخرجنّ ويسمعن صوتهنّ للإعلام؛ وهذا ما حدث، فوسط الندوات والمؤتمرات التي نظمتها الرابطة، خرجت "أشرعة" أول مجلة إماراتية بأقلام نسائية، بداية من الكتابة والتحرير والإخراج، وكانت فريدة من نوعها في الوطن العربي؛ لأن رئيسة التحرير كانت سيدة أيضًا.


تميزت "أشرعة" بأن الكاتبات استخدمن اللغة العامية بجانب الفصحى في الشعر الشعبي، وبعد قليل أصبحت تستقبل كتّابًا من الرجال أيضًا، كتبوا عن النساء.


انضمت أسماء إلى اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات عام 1996، وظلت فيه مدة 16 عامًا، تقلدت منصب نائب رئيس مجلس الاتحاد، وأسسّت فيه "ملتقى الإمارات للإبداع الخليجي"، الذي كان يجمع سنويًا كتّاب وكاتبات دول مجلس التعاون، إضافةً إلى ضيف شرف من إحدى الدول العربية، فكان حدثًا مميزًا يجمع كتّاب وأدباء الوطن العربي جميعًا.



اقتحمت الزرعوني الحقول الأدبية كلها، فكتبت الرواية والقصة والخاطرة، حتى وجدت غايتها في القصة، فكتبت مجموعتها القصصية "همس الشواطئ الفارغة" عام 1994، ومن قبلها مسرحية للأطفال عام 1992 بعنوان "غابة السعادة"، وفازت بجائزة مقدّمة من دائرة ثقافة إعلام الشارقة عام 1996، وكتبت في الكثير من الأعمدة الثقافية للجرائد، وكانت رئيس تحرير مجلة "بيت السرد" التابعة لاتحاد كتّاب الإمارات، وساهمت في إخراج 12 عدد، وهي ناقدة أدبية أيضًا.



أبحرت أسماء في أدب الأطفال، واستفادت من دراستها لعلم نفس الطفل في ذلك؛ وحينما كانت تعمل في إدارة المكتبات بوزارة التربية، طلبت أن تنتقل إلى مدرسة أطفال، لتكون قريبة منهم، أو كما قالت لنا في الحوار: "لتأخذ القصص من أفواههم"، فالقصة هي أقرب ما يوصل المعلومة إلى الصغير، "فالأطفال عقول وصفح بيضاء، علينا أن نعطيهم الهدف الصحيح… فإن أردت أن تكتب للطفل، عليك أن تكون


دارسًا لعلم نفس الطفل، وأن تكون قارئًا من الدرجة الأولى، واقترب من مستوى الطفل".

كانت تقرأ ما تكتب من قصص على ابنتها، وترى كيف تتفاعل مع القصة، ولها أربع قصص موزّعة في مناهج التربية والتعليم في الإمارات، وتعمل حاليًا على مشروع قصصي للأطفال، تقدم فيه القيم بطريقة تناسب الجيل الجديد.


ترى الروائية أسماء الزرعوني، أن الكاتب هو جزء مما يكتب، فحتى إن كان الخيال هو العامل الأساسي في الكتابة، فهناك واقع نجسده بالقلم؛ "لا تصدقوا الكاتب الذي يقول أنا لست موجودًا في روايتي، عندما تكتب إحساسًا، فأنت جزء منه… فإن لم تعش هذا الإحساس، فلا يمكنك أن تُعطيه".



قواعدكِ الأولى في الكتابة


نصحت الكاتبة والروائية الإماراتية أسماء الزرعوني الكاتبات الواعدات، بعدة أمور عليهن الأخذ بها قبل الشروع في وضع أي عمل لهنّ أو نشره، وهي:

  • اتعبي في الكتابة، ولاتقلدي أو تأخذي نصوصًا من أحد، ولا تلصقي في كتابكِ ما ليس لكِ.

  • اقرأي كثيرًا في كل اللغات.

  • اجعلي هناك هدف من وراء الكتاب.

  • اختاري العنوان الملفت، خصوصًا في كتب الأطفال.

  • لابد أن تكون الحبكة قوية وغير متوقعة، ولابد أن يعيش القارئ داخل الرواية.

  • ابتعدي عن الحشو المبالغ فيه، وإكثار عدد الصفحات بلا هدف.

  • لا تتسرعي في إخراج العمل، حتى لا يكون هزيلًا، واجعلي القارئ يتطلع دومًا إلى الجديد من أعمالكِ.

  • قبل النشر، لابد أن يطلع على الكتاب كاتب أو ناقد.

  • ابتعدي عن دور النشر التي تبحث عن الربح السريع.

  • أخيرًا، بعض الفوز بالجوائز ليس مقياسًا للكتابة الجيدة.