فائقة الإدريسي.. مكاويّة تُنعش النفوس




"أجمل مافي التطوع أن تجد الإنسان الذي بداخلك، وتجد بذرة الخير.. التطوع يساوي الإنسانية".


بملامحها الهادئة وصوتها الحنون جلست "فائقة الإدريسي" خلف الشاشة الرمادية، وحاورت منصة بلقيس عن مشوارها في التطوع منذ 40 عامًا.

كانت تذكر بين كل قصة وأخرى كيف أعطاها العمل التطوعي أكثر مما أعطته، وكيف سخرها الله لخدمة عباده، ورددت: "اللهم استعملنا ولا تستبدلنا".


نشأتْ في مكة المكرّمة، البلد التي اشتهر أهلها بخدمة زوار بيت الله الحرام، وتعلمت فائقة من والدتها حب الخير ومساعدة الناس.


حصلت دكتورة فائقة على ماجستير علم النفس مع مرتبة الشرف الأولى من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ثم بُعثت إلى أمريكا لدراسة الدكتوراه، وعلى الرغم من عدم انتشار مفهوم التطوع في ذلك الوقت إلا أنها بدأت خطواتها هناك مع المسلمات، فكانت تعلّمهنَّ اللغة العربية، قالت لمنصة بلقيس في الحوار: " لو رأيتِ سعادة المسلمات وهنّ ينطقنّ الحاء في قراءة القرآن بدلًا من حرف الخاء.. البركة والفرحة التي يجدها المتطوع من الذين ساعدهم، هي التي تساعده على الاستمرار في التطوع".


تقاعدت دكتورة فائقة من مهنة التدريس بعد 21 عامًا، كانت تجد الوقت في تلك السنوات للتطوع على الرغم من تربيتها لأولادها الثلاثة، وتطوعها في الندوة العالمية للشباب الإسلامي كمستشارة نفسية، وأماكن كثير.


طافت بلدان كثيرة، كجنوب تركيا واليونان وجيبوتي، سواءً كانت تلك الرحلات شخصية بصحبة متطوعين آخرين، أو بطريقة منظّمة مع جهات تطوعية، كما في رحلتها إلى مخيم الزعتري الواقع شمال شرق الأردن، وهو مخيم للاجئين السوريين منذ عام 2012م، ويعتبر من أكبر مخيمات العالم؛ فقد تطوعت في الجانب التوعوي وجانب الاستشارات النفسية للاجئات هناك مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.


حكت لنا قصة انضمامها للمركز، فقد كانت في الرياض في مؤتمر عالمي للتطوع، وكان مركز الملك سلمان من منظمي المؤتمر، وبحثت عمن يساعدها للتطوع فيه، وفي طريقها للمطار سألت شخصًا أوصلها للأستاذ إبراهيم الدوسري الذي تدين له بالفضل: "قال لي تعالي نحتاجكِ.. وتطوعتُ في مجالي في الدعم النفسي".


"كأنني كنتُ في جنة.." تصف السيدة فائقة، وتكمل: "وكُنّا في شهر يوليو وهو شهر حار، والقاعة التي كنت فيها تعمل على مراوح، والزعتري يوجد في منطقة صحراوية، لكن كنتُ في جنة، لأنني أُنعشُ نفوسًاً".


لم تكن هذه هي المرة الأولى للدكتورة فائقة في مخيم الزعتري، استفادت سيدات المخيم مما قدمته لهن من خلال 20 دورة و60 استشارة، ومع ذلك لن تكون المرة الأخيرة لزيارة المخيم، فهي تخطط لزيارته في شهر شوال المقبل.


خصصت الدكتورة فائقة أيضًا ما يسمى "الهاتف الاستشاري" في المنزل من 20 عامًا، وهو خدمة تطوعية غير منقطعة بدأت فكرتها من الناس الذين كانوا يعرضون أسئلتهم عليها على استحياء، فكانت تطلب منهم الاتصال بها وعرض مشاكلهم عن طريق المكالمة دونما حرج، ومن هنا بدأت بتخصيص ساعتين يوميًا للمكالمات مع المتابعة، لأن سعادتها تكمن في رد الشخص للطريق الصحيح، وكانت كثيرًا ما تطمئنهم بأن المشاكل النفسية قد تقع لنا جميعًا بما فيهم هي، وكثيرًا ما كان الناس يتذكرونها بعد سنوات- كما حكت في الحوار- شاكرين لها مساعدتهم على اجتياز ما مروا به من صعوبات.


وماقبل الجائحة كانت تستقبل الشابات العاملات في منزلها، في ديوانية أسمتها (ديوانية علم النفس والحياة)، تناقش فيها الدوافع النفسية وتجد الحلول معهن لحياة أسهل، وتعزم الآن على عودة هذه الديوانية من جديد.


تذكُر أيضًا رحلتها الشخصية لليونان التي كانت لدعم الناجيين السوريين من الغرق والذين وصلوا إلى شواطئ اليونان تقول: "مخيم الزعتري بالنسبة لهم بمثابة فندق خمس نجوم، لما رأيتهُ من أوضاعهم النفسية الصعبة، فقد وصلوا بعدما فقدوا الكثير من أهلهم، كانت هناك إمرأة هي المتبقية من أسرتها مع طفل صغير، كانوا يعيشون في الحدائق العامة، والأديرة".




ولأن أعمالها التطوعية تخدم فكرة التعليم إضافة إلى تفريج الكروب؛ سافرت متطوعة في رحلة تعليمية إلى جيبوتي بالاشتراك مع مجموعة من البحرين، لافتتاح مدرسة ومسجد وقاموا بصناعة أشياء لهم مما يتوفر هناك من مواد أولية، وأدخلوا البهجة والسرور على نفوس الأطفال الذين لا يتمتعون بأبسط ملامح الطفولة.


وعلى الرغم من المشاعر المختلطة التي تصيب المتطوع تأثرًا بما يتعرض له إخوته في الإنسانية من أوجاع، تتذكر دكتورة فائقة الإيجابيات دائمًا حتى تستطيع إكمال طريقها الذي بدأتهُ؛ فالله قد سخر المتطوع لخدمة المحتاجين، فهي ترى النور وليس الظلام.


طلبنا منها أن تعطنا خطوات الدخول للمجال التطوعي فأجابت: "النية في البداية، بعدها ستأتي الأشياء، ابدأي بمن حولكِ الأقرب فالأقرب وساعديهم.. واطرقي الأبواب، ابحثي على الانترنت، كوني أنتِ المبادرة.. وإن واجهتكِ صعوبة في المجال الذي ستتطوعينَ فيه، قدمي لنفسكِ.. اشرحي للناس واستخدمي اللسان الجميل مع أسرتكِ في المنزل، مع إشراكهم في التطوع معكِ".




ترى دكتورة فائقة أن للتطوع بركة ورزقًا كبيرًا، تمامًا كما أعطاها الله من عون زوجها وأولادها الثلاثة، تحكي عنه في فترة تواجدهم في أمريكا، أنه كان يتطوع بدعوة من إدارة السجون، ويذهب من ولاية لأخرى للمسلمين في السجون، أما أولادها فكما وصفت، كانوا دائمًا يقتطعون من وقتهم لمساعدتها.