أم إمارتية محتضنة لطفلين:"أحمل مفاتيح الجنة بين يدي"

تاريخ التحديث: ٤ سبتمبر




رزقها الله عزوجل بأربعة أطفالٍ من رَحِمها، لكنّ ذلك لم يشبع عاطفتها المليئة بالعطاء، فقررت هي وزوجها أن يكملوا عائلتهم الكبيرة ببذراتٍ صغيرة، يحسنوا إليها، ويقدمونها زهورًا للمجتمع، فلربما استنشق أحدهم الأريج وحاول أن يحظى ببذوره الخاصة.

كان لمنصة بلقيس حوار مميز مملوء بالحب مع السيدة الإماراتية هند الحربي، ذات 42 عامًا وتدرس علم النفس التطبيقي، التي احتضنت "وديمة وذياب" على التوالي، ولم يمنعها تواجد أطفال بيولوجيين مسبقًا لها من ذلك.


ببساطة قالت لنا: "الفكرة أن فاقدي الرعاية من الأطفال، لهم حقُّ العيش في أسرة بديلة تمنحهم الرعاية والاهتمام والحب، فبادرت بهذه الخطوة، عسى أن يجعلني الله أنا وزوجي عونًا وعوضًا لهم".


شجعها الجميع على الاحتضان، ووقفوا بجانبها في كل خطوة كانت تمشيها في هذا الطريق؛ طمعًا في الثواب، لكنها لم تكن الأولى في أسرتها التي تحتضن، فقد سبقتها والدتها باحتضان خمسة أطفال، وهند في سن السابعة!


"كان تفكيري بعيد كل البعد عن الاحتضان، حتى أراد الله أن يكتب لي أجرها".


راودها شعور الاحتضان لسنوات، لكنها لم تخطط له، ثم طرحت الفكرة على زوجها وناقشت من حولها، وبدأت رحلة البحث عن جهة مختصة تنفذ لها ما تحلم به، حتى وجدت الموقع الالكتروني لدار زايد للرعاية الأسرية في إمارة أبو ظبي، وقامت بتقديم الطلب من خلاله.


احتضنت طفلتها "وديمة" أولًا، في عمر الشهرين عام 2017، فبعد أن قدمت الطلب، زارها فريق من الدار لمعاينة منزلها والتأكد من مكان إقامة "وديمة"، تقول: "خضعنا أنا وزوجي لاختبارات نفسية، والتقيتُ بالأخصائيات لشرح الاحتضان والرضاعة، وكافة المسائل الشرعية".


وفي يوم اللقاء "يصعب أن أصف المشاعر وصفًا دقيقًا، ولكنها كانت خليطًا من السعادة والدموع والشعور بالمسؤولية، الحدث كان كبيرًا، فقد كنت أفكر هل أستطيع أن أعوضها عن كل ما مرت به؟ كيف ستكون مصارحتها بوضعها؟ كيف سيحكم عليها المجتمع ؟!

ولكن مع الوقت كله ذلك تلاشى، وأعطاني القوة بأن أحتضن ذياب"، واحتضنته هند عام 2019، وهو في عمر السنتين؛ "ذياب لم أواجه الصعوبات ولخبطة المشاعر معه، لأن تجربة وديمة صقلتني، أما عن حملهم بين ذراعي، فلكِ أن تتخيلي كمية السعادة …أنا أحمل مفاتيح الجنة بين يدي بإذن الله"..


لا تفرض الدار على العائلة المحتضِنة طفلًا بعينه، فلهم حرية الاختيار في العمر والشكل والجنس أيضًا، لكنها تشترط الرضاعة للأم التي تستطيع ذلك حسب حالتها الصحية، فمثلًا في حالة هند، جهزت نفسها لإرضاعِ "وديمة" عن طريق المتابعة مع مختصّة الرضاعة، وكذلك بالنسبة لذياب، ولهذا اختارت أعمارهم الصغيرة لتتمكن من إرضاعهِم ويصبحوا أولادها بالرضاعة.


تتذكر هند يوم أول لقاء بين أبنائها البيولوجيين وأختهم "وديمة" فتقول: "اللقاء الأول حدث يوم الجمعة، رافقني في رحلتي من مدينة أبوظبي لمقر الدار في العين أخي وابنتايّ، كان زوجي خارج الدولة في مهمة عمل، وأبنائي في الخدمة الوطنية، لذا ذهبنا بدونهم.. لكن ذلك لم يمنعهم من الرجوع للمنزل واستقبال وديمة.. لم تكن هناك لحظة أصعب من انتظاري لمدة عام كامل خبر وصول وديمة للدار، كنت أقوم بالاتصال يوميًا بالدار واسألهم، هل وصلت ابنتي؟".


عمر "وديمة وذياب" الآن أربع سنوات، بينهما 9 أيام فقط! واجهت هند صعوبة في تأقلم "وديمة" مع "ذياب"، وكان العكس معه، فوجوده في الدار لعمر السنتين حتى احتضنته هند، جعله يستطع التأقلم مع الأشخاص الجدد، "من المواقف الصعبة التي لا أستطيع نسيانها، عند مصارحتي لهم بأنني أم حاضنة، وأنهم ليسوا أبناء بطني، لا أعرف كيف استجمعت قواي ولم أنهر أمامهم! .. بدأت المصارحة في عمر السنتين، وساعدني احتضان ذياب في هذه الفترة"، وترى أن استخدام مبدأ الشفافية مع الطفل المحتضن، هو الطريق الأمثل؛ فعندما تقدم الأم على هذه الخطوة إن استطاعت، لابد أن تضع أمامها كل الاحتمالات التي تواجهها في رحلة الاحتضان، بدايةً من مدى قبولها للطفل والقدرة على تربيته تربية سليمة، إلى التحديات التي قد تواجهها من المجتمع من حيث نظرته للطفل المُحتضَن، والتنمر الذي قد يتعرض له من العائلة والمدرسة وما إلى ذلك.


تشارك هند يوميات "وديمة وذياب" على صفحتها على مواقع التواصل، فمن الضروري تقديم الطفل المُحتَضن للمجتمع عن طريق بناء ثقته بنفسه، حتى لا يصل أي إحساس للطفل أنه مختلف عن أقرانه، "ولا يقدمونه على أنه مُحتَضن، أنا شخصيًا أقدمهم على أنهم أبنائي، فهذا هو إحساسي بهم، لا يختلفون عن أطفالي البيولوجيين"، وفي الوقت نفسه "لابد أن تعرف الأسرة هدفها من الاحتضان، هل هو إشباع غريزة الأمومة، أم لكسب الأجر فقط، أم الإثنين معًا؛ الاحتضان هو كيان، تربية، رعاية، حب، احتواء، حرص، سهر، خوف، استقرار، تفهم وقبول، أجر.. وغير ذلك، لذا يجب على الأسرة أن تضع نصب أعينها أن هناك مسؤولية تقع على عاتقهم، فهل هم أهلٌ لها؟".