ليلى القبّي.. أول محامية سعودية كفيفة




خلف حجابها جلست تترافع أمام القاضي، وعندما انتهت الجلسة أخرجت ليلى جهازها المساعد لتقوم بكتابة الموعد القادم، فسألها القاضي عمّا تحمل، فشرحت لهُ أنها من ذوي الإعاقة البصرية، وأن هذا الجهاز تستخدمهُ للكتابة وتدوين المواعيد والقضايا، حتى تستطيع الترافع، تقول ليلى: "وجدتُ من هذا القاضي تعاونًا في الجلسات التالية، فكان يقرأ لي ما يقوم بكتابته، ويناقش معي بعض الأحكام التي يُصدرها".


وُلدت ليلى القبّي أول محاميّة سعودية كفيفة بفقدان جزئي للبصر، لكنها لم تشعر من عائلتها بأي فرق في المعاملة، درست في مدارس معاهد النور الخاصة بالمكفوفات في جميع مراحلها التعليمية، وفي أثناء الدراسة عَرفت أنها موهوبة في الإلقاء وأنه هوايتها.


تحبُّ ليلى القراءة، وتعتبر نفسها قارئةً نهمة؛ وتضع لنفسها دومًا تحدياتٍ في القراءة، ففي عام 2019 تحدّت نفسها بقراءة 50 كتابًا، وفي 2020 كان التحدّي عبارة عن قراءة 100 كتاب، "أقرأُ في كلّ المجالات، فالقراءة هي سبب تطوير الانسان لنفسه" - تقول لبلقيس.


كانت تتمنى أن تدرس بكليّة الإعلام، لكنّ الله لم يختر لها هذا الطريق، تقول: "هوّنت أسرتي عليّ وأخبروني أن الإعلام يمكن ممارسته بأي طريقة بعد التخرج وليس شرطًا أن أقوم بدراسته"؛ تقدم ليلى حاليًا برنامج "لآلئ قانونية" على YouTube، وهي ناشطة اجتماعية على شبكات التواصل الاجتماعي.


التحقت ليلى بكليّة الحقوق؛ فقد كان هدفها الأول هو مساعدة غيرها والحفاظ على حقوقهم، كانت الطالبة الوحيدة في الكلية التي حُرمت الإبصار، لكنها لم تُحرم من الإصرار على بلوغ هدفها بكلّ الطرق الممكنة.


وربما هيأتها الدراسة في معاهد النور لكليّة الحقوق وهي لا تدري، فقد كانت دراسة المعهد كثيفة، وعليه لم تكن كليّة الحقوق صعبةً بالنسبة لها، لكن الصعوبة كانت في عدم وجود كتب خاصة بالكفيفات، أو أي أجهزة مُساعدة، وكانت لابد أن تعتمد على مُرافقة لها في تدوين مايُكتب على اللوح، تقول: "أشدُّ ماكان يحزنني هو أن أجد زميلاتي المُبصرات لا يدرسُنَ، فكنتُ أقول لقد أعطاكِ الله نعمةً فلماذا لا تستغلينها!".


والمرافقة في الجامعة، هي من تقوم بمساعدة فاقدات البصر في الدراسة؛ مثل كتابة مايهُم في المحاضرات، وتحويل المناهج إلى ملفات word حتي يتم طباعتها بطريقة برايل فيما بعد، وهكذا.


تعرضت ليلى للكثير من المواقف أثناء دراستها، تقول: "لم يكونوا يعلمون بوجودي كَفاقدة للبصر في الكليّة، وفي كل فصل دراسي كان لابد أن يحدث معي موقفٌ ما، هذا إلى جانب الكثير من الكلمات المُحبطة التي فكرتُ كثيرًا على إثرها أن أغيّرَ تخصصي، كان عندي دكتورة في الجامعة تدفعني للأمام وتقول لي باستمرار، لابد أن ننتهز الفرص يا ليلى! لذا فأنا أساعد غيري دومًا للاستفادة من الفرص".


وعن الشخصيات الداعمة لها أيضًا تَذكُر: "كان لوكيلة كلية الحقوق الدكتورة نجاح سلامة دور في مسيرتي العلمية، فقد ساعدتني كثيرًا، وكنت أخبرها كل ما يحدث معي، فمثلًا عندما لم أمتحنْ إحدى المواد في عام من الأعوام، ساعدني الجميع وقمت بإعادتها لاحقًا، وفي سنة أخرى لم توضع لي درجات في مادة ما على الرغم من حضوري باستمرار، فتم تعديلها لي بعد ذلك".


تخرجت ليلى القبّي من كليّة الحقوق في 2016، وتدرّبت لمدة خمس سنوات قبل أن تحصل أخيرًا على رخصة المحاماة؛ لكن الأمر لم يكن سهلًا في بدايته، فقد جاءها الرفض مرارًا من عدة مكاتب بطريقة غير مباشرة، فيقولون لايوجد لدينا مكان شاغر للتدريب، لأنها كفيفة.


عملت ليلى على جميع أنواع القضايا في فترة تدريبها، مثل قضايا المطالبات الماديّة، والأحوال الشخصية، والقضايا الجنائية والإدارية وغيرها، وتحبُّ ليلى قضايا المواريث والقضايا التجارية والعمّالية، وتبقى قضايا الأحوال الشخصية مؤلمةً بالنسبة لها، تخبرنا عن السبب فتقول: "ليست صعبة من ناحية المرافعة، بل صعبة إن كان فيها أطفال، يتألم قلبي بسبب وجود ضحايا في هذه القضايا… لكن كلّ قضية أعمل عليها هي نجاحٌ بالنسبة لي، سواءً حُكمَ لي فيها أو حُكمَ ضدي".