فاطمة باطوق: "علّمتني الرياضة كيف أحارب"



في بعض الأحيان لابد أن تخرجي من منطقة الراحة والروتين إلى منطقة أكثر حركة وتأثيرًا، وأن تخاطري بعد دراسة، وأن تقبلي الفشل.


من ستحكي لكِ بلقيس حكايتها في السطور التالية هي رائدة الأعمال ومدرّبة اللياقة البدنية السعودية فاطمة باطوق، التي بدأت مشوارها في وقتٍ كانت ممارسة الرياضة النسائية صعبة فخاطرتْ براحتها ووظيفتها المضمونة إلى طريقٍ جديد.. لربما علمتها ممارستها الرياضة منذ الصغر - المحاربة وعدم الاستسلام، ولربما وجدت أن الحياة بدون جهد لا قيمة لها تمامًا كالرياضة؛ فحتى تحصلي على نتائجكِ المرجوة صحيّة كانت أم جسدية، عليكِ أن تتصببِي عرقًا لتكون قطراته فخرًا لكِ.


حرصت والدتها على أن تمارس وأخوتها الرياضة منذ الصغر، حتى يكوّنوا دوائر اجتماعية بين الناس، وتعرّفت على العديد من الرياضات المختلفة مثل رياضة البيسبول والدُودج بول؛ تقول فاطمة: "أغلب الرياضات التي كنّا نمارسها كانت مع جنسيات أجنبية وقليل جدًا من السعوديين والعرب، لأن أغلب من كان يدخل أبنائه في الرياضة هم الأجانب الذين يعيشون في مجمّعات سكنية خاصة بهم".





وفي سن 18، قررت فاطمة ممارسة الرياضة من جديد لتتخلص من الوزن الزائد، لكنها بدأت في معرفة مفهوم مختلف للرياضة؛ تقول: "اختلف السبب الذي من أجله بدأتُ الرياضة عن السبب في النهاية والذي جعلني أستمر فيها.. لقد أصبحتُ أفهم نفسي أكثر وأستوعبُ، لقد كنتُ أترك الأشياء واستسلم، لكن الرياضة علمتني كيف أحارب"


وفي عام 2009 و 2012 بدأت فاطمة بالتدريب كهواية، لكنها رأت أنّ المدرّبات الأجنبيات يقمنَ بعمل حركات رياضية خاطئة مقارنةً بما تعلّمتهُ عن الرياضة، فأصبح لديها الرغبة والشغف أن تعلّم الأخرين أن هناك طرقًا أفضل، تقول: "دخلت بقوة، وأصبح هدفي ومهمّتي هي توصيل هذه الرسالة للجميع".


لم يكن هناك مدرّبات سعوديات في هذه الفترة، وكان أغلب الناس يتحدثون معها باللغة الانجليزية، ويشعرون بالصدمة عندما تتحدث معهم العربية، وتخبرهم بأنها سعودية تقول: "كان فكر المدرّبة السعودية غير موجود وغير مقبول في ذلك الوقت؛ فقد كانوا ينتقدون ويقولون هذه ليست وظيفتكِ كسعودية، وكأنها درجة تفكير بسيطة".


كان أغلب الناس في المجال الرياضي آنذاك من لديهم قوىً اجتماعية ومالية، لكن فاطمة حاولت الوصول إلى الطبقة الأخرى من السعوديات اللاتي يشكلنَ أغلب طبقات المجتمع، من خلال المدارس والجامعات والمستشفيات؛ فهنَّ من يحتجنَ الرياضة وهنّ من سيغيرنّ المجتمع، الذي كان مختلفًا عن الآن.


قررت المخاطرة بكل شيء، وترك حياتها المريحة إلى حياة ريادة الأعمال بما فيها قرارات مصيرية وتفكير مستمر، واتجهت إلى المجال الذي لم يكن متواجدًا في السعودية وهو الرياضي النسائي والنوادي النسائية.


سافرت بلاد العالم حتى تتعلم الرياضة وتتقنها من أهلها، تقول: "كان لابد أن أصلح أموري وأرتبهَا واستوعبهَا، لأنه لم يكن هناك الكثير يستطيعون إفادتي في هذا المجال… أستطيع القول أن هذه هي نقطة تحولي أنني تركتُ كل شيء وبدأت في الملابس الرياضية تيما عام 2013، واستوديو 55 في 2015، وهذه بدايتي كرائدة أعمال".


غيرت الرياضة حياة فاطمة، فهي من منظورها تُظهر القوة الداخلية وتُعطي القوة الذهنية ليتغلبَ الإنسان على ضعفه، أيًا كان نوع الرياضة المُمارسة.


أما ريادة الأعمال فقد علمتها كيف تتعامل مع المخاطر، تقول: "في بعض الأوقات لابد من الاستسلام وترك الأشياء والذهاب لغيرها، فلا نتعلق بها، وكما علمتني ريادة الأعمال عدم التعلّق والاستسلام، علمتني المحاربة والمثابرة واستكمال المشوار الذي أنا فيه، والمعرفة مهمة حتى أستطيع أن أذهب وأجرّب شيئًا آخرًا… في النهاية اكتشفتُ أن نمط تفكيري كسيدة أعمال هو نفس تفكيري كفاطمة التي تبحث عن الصحة والرشاقة في الرياضة؛ فما استخدمهُ من طرق في المجال الإداري أو الريادي، هو ذاته ما استخدمه في الرياضة من استمرارية".


لاتحب فاطمة لقب أول من بدأ بفكر النوادي الرياضية النسائية، لكنها ترى أنها لعبت دورًا كبيرًا في دفع غيرها من زميلاتها اللاتي كنَّ لديهنّ نفس الرؤية ولم يتجرأنّ على اتخاذ الخطوة، وما زالت تحاول أن تلعب هذا الدور بعد فتح النوادي النسائية وانتشارها، بأن تحاول الوصول إلى جميع السعوديات وتنشر رسالتها ليدخلنَ المجال الرياضي، كمدربات وإداريات وأصحاب محلات، بأفكارهنَّ الجديدة.


ولأن قصة نجاح فاطمة باطوق بدأت من الصعب؛ فإن خط ملابسها الرياضية TIMA بدأ أيضًا من موقفٍ صعب.


في عام 2012 عندما بدأ تصحيح وضع المحلات غير المرخصة في السعودية، فإما الإغلاق أو الترخيص، أُغلقت النوادي الرياضية بناءً على هذا القرار؛ وكان الحظ حليف فاطمة أن تحظى بمقابلة وزير وزارة رعاية الشباب آنذاك - أصبح اسمها الآن وزارة الرياضة - واستطاعت أن تأخذ الرخص الرياضية للأندية النسائية.

كانت فاطمة تقوم بالتوعية عن أهمية الرياضة للمرأة وتتحدث عن أنواعها وفوائدها، لكن حدث مالم تكن تتوقعه من هجوم الكثير من السيدات السعوديات والعربيات؛ تحكي لبلقيس: "قالوا لي كلامًا قويًا مثل أنني أروّج للأفكار الغربية".

حزنت فاطمة من الهجوم السلبي، وقررت اعتزال المجتمع والمكوث في المنزل، وتكمل: "في إحدى المرات زارتني عدد من الصديقات اللاتي كنَّ يدعمنني، ليخففوا عني، وقلنَ لي مازحات: قومي بعمل مقاطع فيديو رياضية وسنكون خلفكِ نؤديها معكِ، وسنرتدي قمصانًا مكتوب عليها تيما - وهو اسم مصغر تناديني به والدتي فقط"، لمعت الفكرة في رأسها: "وقلتُ نعم، سأقوم بعمل ملابس رياضية أخاطب بها النساء السعوديات والعربيات ليفهمنَ رسالتي، ويعلمنَ لماذا أشجعهنّ على الرياضة وعلى أهميتها، بدلًا من مهاجمتي والفكر السطحي الذي يفكرنَ به".


بدأت رحلة فاطمة مع TIMA، وبالطبع لم تكن الأمور خالية من التعقيدات؛ كون العلامة التجارية محلية وعليها أن تصمد وتتميز أمام الماركات الرياضية العالمية في السوق، لكن فاطمة استطاعت التغلب على تلك المعوقات بأساليب مبتكرة في البيع، وكما تقول فإنها عرفت كيف تواكب الصعوبات.


وأثناء رحلتها، شكّلت المواقف الإنسانية جزءً من تجربتها والتي تعجز عن نسيانها؛ مثلًا على الرغم من أن والدتها كانت ترى أن ابنتها سيدة أعمال ناجحة لكن تصميم الأزياء ليس من نقاط قوتها، إلا أنها دعمتها ماليًا ومعنويًا.


والموقف الآخر هو في فترة تدريبها، فقد كانت إحدى المتدربات تتجنب الدخول لفصولها الرياضية، لكنها اضطرت الدخول لفصل فاطمة الرياضي يومًا ما، وفي أثناءه كان الحماس واضحًا عليها وشجّعت غيرها من المتدربات، فتعجبت منها فاطمة لأنها لم ترها من قبل في صفها الرياضي؛ تقول لبلقيس: "بعد أن انتهيت، جلستُ انتظر السائق وجلست بجواري سيدة محتشمة تمامًا لم يظهر منها أي شيء، ثم خاطبتني وأبدت إعجابها بما حدث في الفصل الرياضي، وبعد أن تجاذبنا الحديث وعرفتُ أنها من حمّست المتدربات اليوم، قالت لي - أعتذر عما كنتُ أظنهُ بكِ دومًا أنّكِ ذات فكر سطحي، لذا كنتُ اتجنب التمرّن معكِ، فقلت لها وأنا أعتذر أيضًا منكِ فعندما وجدتكِ بعبائتكِ وقفازاتكِ قلتُ في نفسي، كيف يمكن لهذه المرأة أن تكون ممارسةً للرياضة، كلانا ظنّ بالآخر.. بعدها أصبحت صديقةً لي ودعمتني كثيرًا عندما أغلقت النوادي؛ فكانت تقول لي - يا فاطمة أينما ذهبتِ سنكون معكِ.. وهذا من العوامل التي حفزتني لأبدأ مشواري في ستوديو 55".


وكلمة ستوديو تستخدم كثيرًا في الأماكن الخاصة بالتصوير أو الباليه، لكن فاطمة أرادت أن يكون الاستوديو هذه المرة بمعنىً رياضي، حتى يكون مختلفًا عن بقية النوادي الرياضية التقليدية، فتكسر المفهوم المعروف عن الرياضة.

تمتلك فاطمة باطوق ثلاث استوديوهات لكل منها برامج رياضية مختلفة.


وبالتأكيد لم تسلم فاطمة باطوق من الجائحة العالمية وتبعاتها من الإغلاق، لكنها وجدت الدعم والحب من فريق العمل، فكما تقول أنهنّ تركنَ أعمالهنّ ووظائفهنّ إيمانًا منهنّ برؤيتها، لذا فهي تحب أن تطلق عليهن "شريكات النجاح"، فهنّ قلب النادي وأساسه، تقول: "في اللحظات الصعبة تأتيني الأفكار وأقول سأترك كل هذا وأعود موظفة من جديد.. ريادة الأعمال تجعلني أفكر طوال الوقت وحياتي واختياراتي كلها مبنية على هذا تمامًا".




ومن خلال خبرتها فإن باطوق ترى أسباب عدم استمرارية ونجاح أي مشروع، أو توقفهُ بعد عدة سنوات يعود لسببين؛ أحدهما عدم وجود تخطيط مالي واضح، أو دراسة جدوى تناقش كيف يمكن تخطي مشاكل العمل، خصوصًا في الثلاث سنوات الأولى التي تُعد من أصعب الأوقات على أي مشروع.

أما السبب الثاني فهو عدم وجود ابتكار، توضح قائلة: "لا أقصد في الأفكار فقط، بل ابتكار في العمل نفسه وطريقة إدارته، وابتكار في الأشخاص بدايةً من صاحب العمل إلى الموظفين، فلابد أن يدخل المشروع أفرادًا جددد ذوي فكر مختلف وأفكار متنوعة".. وتُكمل: "وحتى تقومي ببدء أي مشروع جديد لابد أن يكون لديكِ فكرة واضحة لمشروعكِ، غير مُقلّدة، وحتى إن كانت مكررة فلابد أن يكون هناك ما يميزها، فالمشروع الناجح يكون لدى صاحبه وضوح في الرؤية ودراسة الجدوى والمخاطر، ولا تخجلي من السؤال والتعلّم والاستفادة من خبرات الآخرين".


تحلم فاطمة أن تساعد غيرها من النساء اللاتي يردنَ الدخول لعالم الرياضة، ومعرفة توجههنّ الرياضي ومن أين يبدأنَ سواءً من الناحية العلمية أو الريادية، وتأكد: "أنا شغوفة جدًا بذلك، أريد أن أقصّر عليهنّ المشوار فلا يقعنَ فيما وقعتُ فيه من أخطاء.. أتمنى أن يكون لديَّ أي نوع من التأثير الاجتماعي، لأساعد النساء في هذا المجال".


خاطرت فاطمة وقبلت التغيير الذي كان صعبًا في البداية، لكن نتيجة التجربة في النهاية تستحق هذا الجهد، "لقد كنتُ ومن معي من نساء الجيل من تلقى الرصاصات، واستطعنا أن نبدأ المشوار لباقي الأجيال القادمة، وخاصة مع التغيرات ورؤية 2030 .. لقد كان وقتنا صعبًا.. كنّا نحلم ونجرّب ووصلنا بعد طريق طويل مليء بالصعوبات.. الكرة في ملعبكِ الآن يا فتاة السعودية؛ اختاري بشكل صحيح.. اسألى واسمعي غيركِ مهما وصلتِ لأعلى المراتب.. وتعلّمي لأن كل يوم هو فرصة للتعلّم".