ضياء بورسلي.. مُترجِمة عابرة للقارات



تنقلت بين الإنجليزية والإسبانية والفصحى بإتقان أوصلها لأن تكون أمين سر جمعية المترجمين الكويتية؛ فقد درست في مرحلة البكالوريوس اللغة الإسبانية وآدابها، وفي الدراسات العليا باللغة الإنجليزية، هي المُترجمة التحريرية والفورية الدكتورة الكويتية ضياء بورسلي، عضو هيئة التدريس والمحاضر في دراسات الترجمة بجامعة قطر.


عملت كمُترجمة تحريرية في الديوان الأميري، وهي عضوة في منظمة مُترجمون بلا حدود TWB، وَحاصلة على دكتوراه من جامعة كارديف بالمملكة المتحدة.


تخبرنا عن سبب اختيارها لدراسة اللغة الإسبانية في البكالوريوس: "نُدرة متحدثي اللغة الإسبانية في الكويت كانت السبب الرئيسي، وإن عاد بي الزمان سأختارها بالتأكيد؛ فمن خلال دراستي للإسبانية استفدت معرفةً ثقافيةً ولغويةً بكلِّ اللغات المنحدرة من أصل لاتيني، وما كنتُ سأتوقف عندها بل سأطوّرُ مَعرفتي باللغات اللاتينية الأخرى".


عندما سافرت إسبانيا وجدت تقاربًا كبيرًا في العادات والثقافة؛ وعلى الرغم من تعدد اللهجات في أي لغة ودخول بعض الكلمات المُحرّفة عن الكلمة الأصلية، إلا أن دكتورة ضياء لمست فرقًا واضحًا في الإسبانية، تقول عنه: "من جمال اللغة الإسبانية اهتمام المختصين بها بإضافة كل جديد إلى معاجمهم وشرح الجديد واستخدامه، لذا لا نجد فرقًا كبيرًا بين الإسبانية المحكيّة في إسبانيا عن ما ندرسهُ أكاديميًا؛ وذلك لا ينطبق بالتأكيد على اللغة الإسبانية المحكيّة في أمريكا الجنوبية، وهذا أيضًا نناقشهُ أكاديميًا موضحين سبب الإختلاف".


وعلى المُترجم أن يكون مُلمًّا وعارفًا لثقافة البلد الذي يُترجم عنه؛ وهذا ما يميزه عن غيره من المترجمين، وهو ما يجعل ترجمة سهلة سلسة وأخرى عبارة عن كلمات مصفوفة داخل النص؛ لذا ليس كل دارس للغة نطلق عليه مُترجم.


توضح هذا الجزء دكتورة بورسلي وتقول: "لا غنىً للمترجم عن الإلمام بثقافة الآخر؛ فالثقافةُ تسهّل لنا فهم الآخر وفهم المعنى، فللكلماتِ معانٍ أخرى ولا يقتصر على ماهو موجود في المعاجم، لأن فهم الثقافة يساعد المترجم في فهم المعاني المبطّنة وراء الكلمات، وأعتقد أن المترجم المتميز هو الذي يكون قادرًا على فهم المعاني المختلفة وإيصالها بطريقة تناسب اللغة، والقارئ الهدف".


لكن قبل التعرّف على ثقافة الآخر ومُفردات لغتهُ وقواعدها، لابد أن يتقن المترجم أولًا لغتهُ الأم ويتعلّم قواعدها؛ ومن خلال مقاطع فيديو قصيرة على شبكات التواصل، تحاول دكتورة ضياء بورسلي أن تقدم شروحات مفصّلة لقواعد اللغة العربية، واستخدامات علامات الترقيم، سألناها عن سبب ذلك فأجابت: "من خلال عملي كمترجمة وأستاذة في الترجمة، ومن خلال الاحتكاك بالطلبة في المراحل الدراسية المختلفة لاحظت ضعفًا عامًّا في اللغة العربية، وتتعدد الأسباب منها المناهج الدراسية، تأثير تعليم اللغات الأجنبية والازدواجية اللغوية، فالطالب لا يمارس العربية الفصحى خارج نطاق حصة اللغة العربية، مما يساهم في زيادة الفجوة بين العامية الدارجة واللغة العربية، ليس ذلك فقط، بل في مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات مثل يوتيوب ونتفلكس نرى حضورًا قويًّا للهجات واللغة الإنجليزية، مما يفصلهما أكثر عن العربية".


للدكتورة ضياء كتاب مُعجم الأمثال الكويتية والذي يتناول الأمثال الكويتية ومايشابهها من أمثالٍ إسبانية، وبحكم عملها كأستاذة في الترجمة، وجدت أن الكثير من المتدربين يواجهون صعوبة في ترجمة الأمثال؛ بسبب اختلاف التعبير بين الثقافات، لذا قامت بإضافة ملاحظات المترجم بعد كل مَثل، لتوضيح وجه التشابه والإختلاف بين الثقافات وأمثالها.

تحكي لمنصة بلقيس عن بداية الفكرة وتقول: "هناك العديد من الكتب التي وثّقت ألفاظ اللهجة والأمثال وشرحها لمتحدث اللغة العربية، أما فكرة ترجمتها للغة الإسبانية فقد جاءت بسبب نقاش مع أحد الأصدقاء، فأثناء أحاديثنا المتكررة نستخدم أحد الأمثال، وكان من الطريف محاولتنا ترجمته إلى لغة أخرى، فوجدنا تقاربًا بين لهجتنا الكويتية وبعض الأمثال الإسبانية، وهنا نشأت الفكرة".



أكسبها عملها في الترجمة الكثير من المهارات الشخصية والمهنية، ذكرتها للمنصة فقالت: "أولها الصبر؛ فالعمل كمترجم يتطلّب الإصرار وفهم الآخر وتقبّل اختلافه كما هو دون أحكام أو تقييم.. إضافةً إلى أنّ عمل المترجم يحتاج إلى البحث والقراءة وهذا يزيد ثقافتنا ومعلوماتنا".


وعن أدوات المترجم توضح لنا من واقع خبرتها الفرق بينها وبين وسائل الترجمة وتقول: "يعتمد الفرقُ على ماذا نقصد بأدوات، فالأداةُ كشيءٍ ملموس تعني للمترجم المراجع المختلفة، والمعاجم التقليدية والإلكترونية وبرامج ذاكرة الترجمة؛ أما إن قصدنا وسائل الحصول على المعلومات، فهي مهارات البحث على الإنترنت، ومهارات التحليل والتفكير النقدي، ومهارات اللغة … ودراسة اللغة مهمّة جدًا، ولابد للدارس اختيار البرنامج الصحيح؛ وبرامج تعليم اللغة المتخصصة تهتم بشرح وتوضيح ثقافة الشعوب للدارسين، وبما أننا نعيش في زمن قرّب الشعوب من بعضها، فيمكن لمتعلّم اللغة اكتساب الثقافة من خلال وسائل أخرى كالمطالعة والتلفاز، ومعرفة الآخر عن بُعد".



وقد كانت اللغة ولا زالت وسيلة التواصل بين الشعوب، ولكن اللغات كالتُركية والصينية والكورية وغيرها أصبحت إتجاهًا مؤخرًا لدى الكثير من الشباب، ولا تستغرب دكتورة ضياء ذلك؛ "فطالما تعلّمت الشعوب اللغات المؤثرة في فترة زمنية ما - على سبيل المثال اهتمّت الشعوب بتعلّم اللغة العربية عندما ازدهرت الحضارة والثقافة الإسلامية، وعملوا على ترجمة كتب المسلمين للاستفادة منها، وكذلك الأمر مع المسلمين عندما ازدهرت حركة الترجمة واهتموا باللغتين اليونانية واللاتينية لِنقل علومهم وكُتبهم؛ واليوم يكمن الاختلاف الوحيد في الفائدة من وراء تعلّم هذه اللغات، فهل هناك استفادة؟ هل نجد من يترجم لنا العلوم المهمّة من اللغات الأخرى"؟


لذا فإن الملاحظ على بعض المترجمين الهواة المنتشرة أعمالهم على مواقع التواصل الذين يترجمون النصوص ومقاطع الفيديو، عدم سلامة التراكيب اللغوية، أو الاهتمام بتطبيق قواعد اللغة، فسرت لنا دكتورة ضياء ذلك بقولها: "لأننا نعيش حقبة زمنية يهتم فيها الشباب بوسائل التواصل الإجتماعي، بل ويستخدمها البعض كوسيلة للاستفادة من المعلومات السريعة - على وزن المأكولات السريعة - فهم يريدون اكتساب المعلومة في ثلاثين ثانية فقط! ونوعية المعلومات التي يتم تقديمها في هذه الحالة تكون مختصة بتطوير الذات ودروس الحياة، لذا نجد الكثير من المُترجمين يركزون على هذا النوع من المحتوى؛ وتنتج الأخطاء الإملائية والتركيبية لضعف اللغة، ويعتقد الكثير أن التحدّث بلغة أخرى يعني القدرة على الترجمة تلقائيًا، دون التركيز على تمكّن المترجم من اللغة المُترجَم إليها".



تُرجع دكتورة ضياء سبب عدم تواجد خليجيات في مجال الترجمة الفورية، أن هذا النوع من الترجمة يتطلّب مهاراتٍ مختلفة عن الترجمة التحريرية، وتذكر: "يمكن إرجاع ذلك إلى سببين أولهما: قلة البرامج التدريبية المتكاملة والمتخصصة في التدريب على الترجمة الشفهية، والسبب الثاني قد يعود إلى اختلاف ساعات العمل وطبيعتهُ مما قد يشكّل عائقًا للمرأة في مجتمعنا، فلا زلنا نعيش في مجتمع محافظ وإن كنا قد خطونا خطوات كبيرة لابد من الإشادة بها في طريق المساواة.. في رأيي الأمر هو مسألة تدريب وَوقت لا أكثر".

ترى دكتورة ضياء أن الترجمة ماهي إلا عملية نقل لُغوية؛ وقد نقرأُ نصًا بلغتهِ الأصلية تختلفُ روحه كثيرًا عندما يتم ترجمته إلى لغة أخرى، فالنّص المُنتَج يتأثر بعدة عوامل مثل نوع الكتاب وهدف الترجمة ودار النشر، والقارئ الهدف والمترجم أيضًا.

ونجد الآن أن ما يُترجم هو فقط ما يطلبهُ القارئ أو مايضمن الربح لدور النشر،"نحنُ بحاجة لتوحيد المصطلحات الرسمية ووضع خطة واضحة للترجمة والتعريب وأهدافهما؛ كما أننا بحاجة للعمل على تطوير وتنويع المواد المُترجمة - وللأمانة فإن هناك مشاريع واهتمامات من بعض دول الخليج لِتشجيع حركة الترجمة، وبالطبع فإننا نطمح للمزيد".


تسعى دكتورة ضياء بورسلي في المستقبل لتقديم دورات متخصصة في الترجمة للراغبين في تعلُّمها خارج نطاق الجامعة في جميع أنحاء العالم، ولديها عمل مشترك في مجال الترجمة إضافةً إلى كتاب يُعنى بالأمثال.