في يوم التأسيس .. تاريخ سعوديات لا يسقط بالتقادم




لم يكن نجاح المرأة السعودية وليد اللحظة، بل امتد جذوره مع الدولة السعودية التي قامت عام ١١٣٩هـ / ١٧٢٧م؛ وتخليدًا لهذه الإنجازات أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمرًا ملكيًا بأن يكون يوم ٢٢ فبراير من كل عام هو يوم التأسيس السعودي، المتزامن مع بداية الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود قبل ثلاثة قرون وعاصمتها الدرعية.


وفيما يلي نسرد إليكم مواقف نساء سعوديات سجلها التاريخ، ولن تسقط بالتقادم:



"لا أريد أن يرجع أحد منكم قبل أن يهزم التركي"


قالتها الشيخة غالية بنت عبد الرحمن البقمية، الفارسة العربية أو المرأة الساحرة كما وصفها الأتراك، فقد كانت ذات مال وقوة ورأي حكيم؛ قادت الجيوش في تُرُبَة عام ١٢٢٨هـ ضد محمد علي باشا والي العثمانيين، بعد وفاة زوجها حمد بن عبد الله بن محيي الذي كان أميرًا على وادي تُرُبَة.


أخفت غالية وفاته بسبب إصابته أثناء الحملات العثمانية، حتى لا يدبَّ الضعف في نفوس القبيلة، وكانت تمدهم بالخطط القتالية قبل أن تمدهم بالسلاح والتمور، حتى تمكنوا في النهاية من القضاء على جيش مكون من أربعين ألف مقاتل.


توفيت الشيخة غالية رحمها الله بعد عمر طويل قضته في الكفاح، ولما مرَّ محمد علي باشا على تُرُبَة بعد وفاتها وهو في طريقه إلى أبها قال جملته الشهيرة "أمست ديارغالية خالية".


وليست غالية فقط من قوّمت جيشها وأسدتهم المشورة، لأن ما فعلته سارة السديري كان ثمرته صناعة أسد الجزيرة العربية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، مؤسس الدولة السعودية رحمهم الله جميعًا.


تربت الأميرة سارة بنت أحمد (الكبير) بن محمد السديري في بيت زعامة وجاه، وتزوجت الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي، وعاشت معه في الرخاء وتحملت الشدة والمصاعب التي عصفت بزوجها وقت خروجه من الرياض، ورحلته الطويلة وصولًا للكويت بعد الهزيمة في موقعة المليداء عام ١٣٠٨هـ /١٨٩١م.

ذَكرها خير الدين الزركلي في كتابه (شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز) بأنها كانت أكمل نساء زمانها عقلًا وحكمة، على الرغم من أنها لم تتلق أي قدرٍمن التعليم.


ربَّت الأميرة سارة السديري ابنها عبد العزيز على الشجاعة، وزرعت بداخله حب أرضه رغم بعده عنها، وشحذت همته حينما قرر العودة مرة أخرى للرياض واستعادة مُلكَ أجداده، وقد حقق ذلك بالفعل.


توفيت عام ١٣٢٧هـ /١٩١٠م ودفنت في مقبرة العود رحمها الله، وتخليدًا لذكراها ودعمًا لدور المرأة في المجتمع، تمت الموافقة الملكية لإنشاء مركز الأميرة سارة السديري لدراسات المرأة في جامعة الأميرة نورة.


وكما احتملت الأميرة سارة مصاعب الحياة مع زوجها، فقد عانت الصغيرة عفت في تركيا مع والدتها بعد وفاة والدها محمد بن عبد الله بن ثنيان الثنيان، فقد أُرسل عبد الله الثنيان إلى تركيا ـ بعد وقوع الدولة السعودية الأولى مؤقتًا عام ١٨١٨م في يد إبراهيم باشا - وعاش في استضافة الوالي العثماني قيد الإقامة الجبرية في (دولما بهجة)، وتزوج ابنه محمد من السيدة التركية آسيا هانم التي أنجبت عفت وزكي.


عاشت عفت مع أخوها ووالدتها وعمتها المقعدة جوهران في ضيق من الحال، فاشتغلت أمها بالخياطة ثم تزوجت واصطحبت معها زكي، وظلت عفت مع عمتها يقتسمان معاش والدها المتواضع.


وفي عام ١٩٣١م، كتبت عفت إلى الملك عبدالعزيز كي يأذن لها بالقدوم للحج بصحبة عمتها، فبعث لهما الملك دعوة وطلب من نائبه في الحجاز وابنه الثاني الأمير فيصل أن يحسن استقبالهما، فحدث اللقاء بين عفت والأمير فيصل وتمَّ زواجهما الميمون.


لم تكن عفت تتكلم العربية لأنها درست في مدارس تركيا، والتي كان قد فُرض فيها تعلّم الأبجدية اللاتينية، لكنها تعلمت بعد رجوعها اللغة العربية واللهجة السعودية في وقتٍ قصير.


ولكونها عاشت فترة صباها بعيدًا عن بلدها السعودية، قررت أن تخدم بنات جنسها، فقد ألمها زواج الفتيات مبكرًا وعدم تلقيهن للمعرفة، فبدأت بدعمهن وحل مشاكلهن في مجلس مفتوح، وأخذت تدعو للتعليم، وبسبب صعوبة الأمر في هذا الوقت، عرضت الأمر على الملك فيصل وشجعها "شجعني على الاستمرار طالما هدفي هو بناء مستقبل أفضل".


وقد كان، فتم افتتاح قسم لتعليم البنات إلى جانب قسم البنين، ولأن الأهالي لم يرغبوا في إرسال بناتهم للمدرسة، افتتحت مدرسة داخل قصرها وأشرفت عليها بنفسها، وأسست أول مدرسة سعودية لتعليم البنات واسمتها دار الحنان، وأدخلت إليها الأنشطة الثقافية والتربية البدنية.


وبتولي الملك فيصل رحمه الله مقاليد الحكم، أُطلقَ عليها لقب صاحبة الجلالة الملكة عفت، وهي الأولى التي حصلت على هذا اللقب ومن بعدها الملكة صيتة الدامر زوجة الملك خالد، فقط.


أحزنها مقتل زوجها الملك فيصل، فتأثرت صحيًا واعتزلت الحياة لفترة، وقالت: "ماحدث للملك فيصل دليل على شجاعته وقوته، تعلمت منه القوة والاصرار، تعلمت منه الشجاعة والحق، وكل تلك الصفات حاولت جاهدة أن أغرسها في أبنائي وأبناء الشعب السعودي".


توفيت الملكة عفت عام 2000م، بعد دخولها عملية جراحية لم تحتملها، عن عمر يناهز 85 عامًا مليئًا بالحب والدعم لفتيات شعبها.


وقام أبنائها ببناء جامعة عفت تخليدًا لدورها في الثقافة والتعليم، ويعود لها الفضل في تأسيس مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في الرياض.