زهرة العمانية.. حرمت من التعليم فباعت الطعام لتُعلم أبناء القرى

تاريخ التحديث: ١٥ فبراير



"حِرماني من التعليم في الصغر جعلني أفكر في أناس حُرموا منه مثلي"

بهذه الكلمات حدثتنا زُهرة بنت سالم العوفية، السيدة العُمانية التي تبلغ من العمر 53 عاما، أم لسبعة أبناء نالوا جميعا شهادات عليا لم تحصل عليها يوما، لكنها أنجزت ما لم يقم به الكثير من المتعلمين.


كانت طفلة شقية شغوفة لكن ظروف والدها الكفيف منعتها من دخول المدارس النظامية مثل أقرانها، تزوجت في سن الـ 11 عام، والتحقت بفصول محو الأمية وهي أم لأربعة أطفال تبلغ من العمر 19 عام.


"في يوم من الأيام عندما عدت من المدرسة وكنت وقتها في الصف الخامس الابتدائي، وجدت أن إبني البالغ من العمر 4 سنوات قد علقت في حلقه قطعة معدنية أجرى على إثرها عملية جراحية وتم إنقاذه بفضل الله، فقال لي: اذهبي أنت يا أمي للجامعة واتركينا نحن لنموت، وقتها تركت المدرسة".

لكن حب العلم والتعلم لم ينقطع عند السيدة زُهرة؛ فتعلمت كتاب الله وقرأت الكثير من الكتب والروايات التي توفرت أمامها.


"حِرماني من التعليم في الصغر جعلني أفكر في أناس حُرموا منه مثلي"

وعندما التحق أولادها بالجامعة في العاصمة مسقط، وجدت أن لديها وقت فراغ كبير، ففكرت في تعليم أولاد جيرانها الصغار القرآن الكريم والقراءة والكتابة وافتتحت فصلا في بيتها، وبعد مرور سنة ذاع صيت السيدة زُهرة في منطقتها، واستقبلت المزيد من أطفال القرى المجاورة في العام التالي، حتى بلغ العدد 120 طفلا.


وبعد مرور عامين استعانت بها إحدى المعلمات في المدرسة الحكومية لتعليم الأولاد القادمين من أعالي الجبل القرآن الكريم، لاحظت السيدة زُهرة صعوبة التحصيل عند هؤلاء الصغار مقارنة بأقرانهم الذين درسوا في مرحلة رياض الأطفال، ناقشت مديرة المدرسة في ذلك، وطلبت زيارة الأمهات في تلك القرى، وقد وجدت ما توقعته من أمية منتشرة حتى في حفظ أصغر سور القرآن الكريم، ففكرت في تعليم الأمهات على مدار ثلاثة أيام في الأسبوع وباقي الأسبوع كانت تدّرس في المدرسة الحكومية.


استمر هذا الوضع لمدة عامين، ولما كان الأمر شاقا عليها فكرت في البحث عن فتيات متعلمات في هذه القرى ليقمن بالتعليم نيابة عنها، وبالفعل قامت الفتيات بتعليم الأمهات القرآن الكريم وتعليم الصغار من سن 4 ل 6 سنوات القراءة والكتابة.


لمست السيدة زُهرة نجاح هذا المشروع الذي أسمته (مشروع محو أمية قريتي) بعد عام تقريبا، عندما بدأ من علمتهم من الأطفال الالتحاق بالمدارس الحكومية وهم في مستوى تعليمي جيد جدا، تماما مثل أقرانهم الذين التحقوا برياض الأطفال، فقررت توسعة المشروع ليضم قرى أخرى، وكانت تقوم بتمويل هذا المشروع من عائدات ما تطبخه من وجبات للمدارس والموظفين والمناسبات المختلفة، وأعطت المعلمات مكافأة شهرية، واشترت ما يلزم من مستلزمات مدرسية، وهكذا حتى وصل عدد الفصول إلى 22 فصل في 22 قرية.




حصلت السيدة زُهرة على جائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي عام 2017، وذاع صيتها عالميا وحاورتها عدة قنوات تلفزيونية كبرى مثل CNN الأمريكية وMbc ، وكتبت عنها العديد من الجرائد العمانية والعالمية، كما كُرمت في بيروت عام 2018 كواحدة من أفضل عشر شخصيات نسائية مؤثرة في الوطن العربي.


وكُرمت عام 2019 في بروكسل بدعوة من مسؤول الجاليات العربية في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تكريمها في دبي بدعوة من مكتب اليونسكو عام 2020، وآخرها في أكتوبر من العام نفسه، في يوم المرأة العمانية حيث حصلت فيه على وسام الإشادة السلطانية من الدرجة الثالثة.


لازالت السيدة زُهرة تدّرس القرآن الكريم حتى بعد انتقالها للعاصمة مسقط؛ "وأفكر دوما في أن أتعلم وأطور من نفسي، ولكن هذا العمل التطوعي يأخذ من وقتي وجهدي، لم أستطع أن أكمل تعليمي لأن كل وقتي كان لتعليم الطلاب والإشراف على المدارس وتمويلها، أنتظر الآن أن تنتهي ابنتي الصغرى من تعليمها الثانوي هذه السنة، وهنا أكون قد أكملت الدور مع أبنائي".